الخطيب البغدادي
353
تاريخ بغداد أو تاريخ مدينة السلام ( تحقيق بشار )
عني من ذلك فبستر الله الذي ستره علي ، ولولا ستره لم يبق لنا ثناء ولا التقاء على مودة ، فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا أمير المؤمنين ، إني ، والله ، ما رأيت وجها أحسن من وجهك ، فلا تحرق وجهك بالنار ، قَالَ : فبكى هارون بكاء شديدا ، ثم دعا بماء فاستسقى ، فأتى بقدح فيه ماء ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أكلمك بكملة قبل أن تشرب هذا الماء ؟ قَالَ : قل ما أحببت ، قَالَ : يا أمير المؤمنين ، لو مُنعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتديها بالدنيا وما فيها حتى تصل إليك ؟ فقال : نعم ، قَالَ : فاشرب ريا ، بارك الله فيك ، فلما فرغ من شربه ، قَالَ له : يا أمير المؤمنين ، أرأيت لو مُنعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها ، أكنت تفتدي ذلك بالدنيا وما فيها ؟ قَالَ : نعم ، قَالَ : يا أمير المؤمنين ، فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه ؟ قَالَ : فبكى هارون واشتد بكاؤه ، قَالَ : فقال يحيى بن خالد : يا بن السماك قد آذيت أمير المؤمنين ، فقال له : وأنت يا يحيى فلا يغرنك رفاهية العيش ولينه أَخْبَرَنِي بكران بن الطيب السقطي بجرجرايا ، قَالَ : حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن محمد المفيد ، قَالَ : حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة ، قَالَ : حَدَّثَنَا أبي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبي المغيرة بن شعيب ، قَالَ : حضرت يحيى بن خالد البرمكي ، يقول لابن السماك : إذا دخلت على هارون أمير المؤمنين فأوجز ، ولا تكثر عليه ، قَالَ : فلما دخل عليه وقام بين يديه ، قَالَ : يا أمير المؤمنين ، إن لك بين يدي الله مقاما ، وإن لك من مقامك منصرفا فانظر إلى أين منصرفك ، إلى الجنة أم إلى النار ؟ قَالَ : فبكى هارون ، حتى كاد أن يموت أَخْبَرَنِي أبو القاسم الأزهري ، قَالَ : حَدَّثَنَا الحسين بن محمد الدهقان ، قَالَ : حَدَّثَنَا محمد بن الحسن المقرئ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أحمد بن عبد العزيز ،